السيد نعمة الله الجزائري
431
عقود المرجان في تفسير القرآن
حتّى وجد عنده الزبانية تنقله إلى النار ولا تسقيه الماء . وشبّهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وخالية من نور الحقّ بظلمات متراكمة من لجّ البحر والأمواج والسحاب . ثمّ قال : ومن لم يولّه نور توفيقه وعصمته ولطفه ، فهو في ظلمة الباطل لا نور له . وهذا الكلام يجري مجرى الكنايات . لأنّ الألطاف إنّما تردف الإيمان والعمل أو كونهما مترقّبين . ألا ترى إلى قوله : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » « 1 » - الآية . « 2 » « سَحابٌ ظُلُماتٌ » . قرأ ابن كثير : « سحاب » بغير تنوين « ظلمات » بالجرّ [ فأضاف السحاب إلى الظلمات لاستقلال السحاب وارتفاعه في وقت كون هذه الظلمات كما تقول : سحاب « 3 » ] رحمة ، إذا ارتفع وقت الرحمة . « 4 » [ 41 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 41 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 ) « أَ لَمْ تَرَ » ؛ أي : ألم تعلم من طريق الوحي والاستدلال . « 5 » « يُسَبِّحُ لَهُ » ؛ أي : ينزّهه عمّا لا يليق به أهل السماوات وأهل الأرض بألسنتهم . وقيل : عنى به العقلاء وغيرهم وكنى عن الجميع بلفظ من تغليبا للعقلاء . « وَالطَّيْرُ » ؛ أي : ويسبّح له الطير حال كونها واقفات في الجوّ مصطفّات الأجنحة في الهوى . وتسبيحها ما يرى عليها من آثار الحدوث . « كُلٌّ » ؛ أي : كلّ واحد ممّا ذكر أو من الطير « قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ » ؛ أي : قد علم اللّه دعاءه وتنزيهه اختيارا أو طبعا ؛ لقوله : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ » . أو : علم كلّ ، على تشبيه حاله في الدلالة على الحقّ والميل إلى النفع على وجه يخصّه بحال من علم ذلك . مع أنّه لا يبعد أن يلهم اللّه الطير دعاء وتسبيحا كما ألهمها علوما دقيقة في أسباب
--> ( 1 ) - العنكبوت ( 29 ) / 69 . ( 2 ) - الكشّاف 3 / 244 . ( 3 ) - يوجد في النسخة بدل ما بين المعقوفتين سطران ممحوّ بعض كلماتها بحيث لم نتمكّن من إخراجه وتصحيحه فحذفناها . ( 4 ) - مجمع البيان 7 / 229 . ( 5 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 127 .